"حكايات عادية" تضع المصريين أمام مرآة الذات والآخر
بواسطة : موالي
2009.06.30
عدد القرائات 15761
 أن تكون مصريا وتخوض تجربة الغربة في الخليج والاغتراب في مصر، أو كليهما في ذات الوقت، الفكرة المحورية التي يدور حولها فيلم المخرجة المصرية نهى المعداوي "حكايات عادية"، تلك الحكايات العادية من حيث شيوعها وتكرار حدوثها، وغير العادية في طرحها ودلالاتها،روما تفجِّره من هموم تمس الواقع المعاش للمصريين، للدرجة التي تجعلك تعيد تكرار السؤال الذي طرحه قبل سنوات المفكر المصري جلال أمين "ماذا حدث للمصريين؟".وربما ما يميز هذا الفيلم باكورة اقتحام هذه المخرجة المتميزة لعالم الفيلم التسجيلي الأصعب في رأيي عن غيره من أجناس الفن السينمائي الأخرى، الحالة الجدلية المتواصلة منذ اللحظة الأولى للعرض بين الذات والآخر، وثنائية الغربة والاغتراب، وتعدد الأصوات ما بين الشخصيات المنسحقة حضاريا، والأخرى ..الواثقة في ذاتها المقاومة للانهزامية، والمتمردة على مبدأ الرضوخ للأمر الواقع، الذي صار شعارا متداولا هذه الأيام يؤمن به الكثيرون، فضلا عن رؤى أجيال متباينة وطبقات اجتماعية مختلفة للقضية، ما ابعد المخرجة عن شبهة الانحياز، أو توجيه الفيلم وجهة محددة مسبقة. والفيلم يتعرض على مدى أكثر من ساعة ونصف لتجارب مصريين عاشوا فترات متباينة في السعودية أو الكويت، بإسهاب شديد يركز على الرؤية الذاتية لكل شخص عن تجربته ما بين بلده الذي يعاني فيه من ضيق ذات اليد وغياب العدالة والزحام، وبلد المهجر الخليجي الذي يبدو لدى كثيرين أرض الأحلام إلى أن يتعرضوا لصدمة التعرف المباشر. والسؤال المحوري الذي تبدو صانعة الفيلم مهمومة به:"ماذا ربحت وماذا خسرت من تجربة الغربة الخليجية؟ ليس فقط على الصعيد المادي ولكن على صعيد أشياء أخرى ربما أكثر قيمة، سواء على المستوى الثقافي والاجتماعي أوعلى مستوى التحقق الإنساني؟"، وثمة سؤال متصل تتحسسه دون أن تسمعه عن وضع مصر والمصريين الآن؟، وهل صارت لهم نفس المكانة التي كانت أيام عبد الناصر أم أنها اهتزت وصار السيد المصري ناقل الحضارة أقرب إلى العبد المُهان الذي أتى ليذل نفسه من أجل حفنة من المال، تلاحقه صورة نمطية سلبية عنه وعن بلاده التي كان يتم النظر إليها في حقب سابقة بانبهار واعجاب وأنها أم الدنيا. ومن خلال روايات عديدة نتعرف على إجابة هذا السؤال غير العادي، والذي يجب طرحه باستمرار والالتفات إلى دلالاته، وهي أن الخسارة قائمة في كل الأحوال، سواء لدى من أكمل مشوار الغربة وتأقلم مع عادات وتقاليد مجتمع آخر، تقليدي في جوهره واستهلاكي في ثقافته، أو لدى من رفض نمط حياة تبدو غريبة وخانقة لمن ذاق طعم الحرية وليس لديه استعداد للتضحية بكرامته من اجل لقمة العيش.
2895
|